Saturday, July 11, 2015

رحلات محرمة - رحلة كورتلمون

يتميز الرحالة و المصور الفرنسي جيل جرفيه كورتلمون بانه موهبة ميزته عن سابقيه من الرحالة لانه اهتم بالتصوير الفوتوغرافي

رحل كورتلمون الى مكة في مهمة رسمية سرية للحكومة الفرنسية بدعم و تمويل من وزارة المستعمرات الفرنسية

مهمته هي الحصول على تأكيد صحة الفتوى التي حملها الحاج الجزائري - أكلي -

نص هذه الفتوى بأن علماء المسلمين يقرون بالسيطرة الفرنسية الكاملة على الجزائر و تونسو يرون ان الجزائر دار سلام لا حرب

و يرون ايضا ان سلطة فرنسا فيها تتوافق مع تعاليم القرآن الكريم

وليتدرب على التخفي عاش عدة سنين في الجزائر يدرس الدين الاسلامي و يتدرب على الشعائر الاسلامية

انتحل كورتلمون جنسية جزائري في رحلته الى مكة لاداء فريضة الحج، وتسمى باسم عبدالله و اخذ في رحلته صورا نادرة جدا لمكة و جدة

ولد كورتلمون عام ١٨٣٦ في افون فرنسا. بعد وفاة والده انتقل الى الجزائر ضمن من انتقل اليها من المستوطنين الفرنسيين

كانت فرنسا تشجع الهجرة الى الجزائر في سياسة استعمارية لتكون الجزائر فنسية خلصة

عايش كورتلمون القرويين الجزائريين و جذبه الاسلام فعكف على دراسته، امتهن التصوير و اشبع هوايته في الاسفار داخل الجزائر

صور كورتلمون بكاميرته اول صور لافتتاح الخط الحديدي الحجازي، و زار القاهرة و اسطنبول و دمشق و الهند و التبيت و بورما

سجل كورتلمون نتائج رحلاته تلك في خمس مجلدات، بدأ كورتلمون رحلته الى الحج عام ١٨٩٣

قال له صديقه الطبيب المغربي عبدالرحمن الذبيبي "اعرف حبك للاسلام، سافر ولا تخش شيئا و خذ حذرك من حرارة الشمس"

توج كورتلمون رحلته الى مكة بكتاب " رحلتي الى مكة "، عكف آخر حياته على تأليف يشرح فيه الاسلام عام ١٩٣٠

احتار المؤرخون، هل كان كورتلمون مسلما حقا؟ كانت هناك معلومات متضاربة

القنصل الفرنسي في جدة كان يقول انه ادعى الاسلام وليس ذلك الا مناورة تسمح له باشباع فضوله الدنيوي

كما غمز القنصل الفرنسي الى امانة كورتلمون بما كتبه من تقارير لوزارة الخارجية الفرنسية

كتب روبن بدول، صاحب كتاب الرحالة الغربيون في الجزيرة العربية يقول فيها " تلا زيارة ليون روش لمكة فرنسي آخر من الجزائر ..

.. يدعى كورتلمون وهو مصور محترف شجعه اصدقاءه المسلمون على الذهاب الى مكة"

كتب كورتلمون: " اني احب الاسلام لبساطة عقيدته و تعجبني اهدافه التي لا تتزعزع، دون ان املك الجرأة على الاعتقاد به"

حصل كورتلمون في نهاية مهمته على تقدير بلاده التي كانت راضية على اداء مهمته السرية، نال وسام الشرف بدرجة فارس

كان شجاعا و يتميز بحنكة و نجح في ظروف صعبة و محفوفة المخاطر و كتب وثائق لا تقدر بثمن

نال الوسام بعد ان اقسم في تقرير رحلته انه سمع من المفتي في المدينة المقدسة ان الفتوى التي حصل عليها باستعمار فرنسا كانت صحيحة

في بداية رحلة كورتلمون للحج كان مدفوعا لكشف اسرار مكة وقال: "اردت الولوج لاسرار هذه المدينة لانني كنت مدفوعا برغبة اكمال ..

.. دراستي الشاملة عن المشرق المعاصر، مهد الديانات السماوية، هذا المشرق المسلم الذي احبه كما يحبونه الذين يعرفونه حق المعرفة"

لم يحب كورتلمون المنطقة فحسب، بل احب ديانة اهلها وقال انه يحب الاسلام في ايمانه الخالص و يحب فيه الامل الراسخ

ضمن كورتلمون كتابه بالكثير من الصور للاماكن المقدسة و اهلها و عمرانها و عادات سكانها ليضفي عليه المصداقية

انقسمت السلطة الفرنسية الى قسمين، قسم ايد سفره للحج، و قسم عارضه، في النهاية سافر الى الحج تحت اسم عبدالله ابن البشير

قال كورتلمون: "لا ارى شيئا اكثر تشريفا للرجل الفرنسي من ان تكلفه حكومته للقيام بمهام خارجية"

خرة كورتلمون من الجزائر عام ١٨٩٤ مع صديقه الجزائري أكلي، وكان أكلي قد شجعه على اداء فريضة الحج

اتت رحلة كورتلمون الى الحج بعد ٥٠ عاما من رحلة ليون روش، اتفق مع زميله ان يسافر الى السويس اولا و منها الى الحج

التقى أكلي في السويس و كان مريضا و نصحه الاطباء بتأجيل الرحلة لانه كان بحاجة للرحاة و الهواء النقي

بعد شفاء أكلي، غادرا سويا الى جدة

غادر كورتلمون السويس الى جدة على متن سفينة التي كان يرى على متنها متحفا انثوغرافي و مجموعة مختلفة من الاجناس و الاعراق

تدريجيا زادت الالفة بين الركاب المسلمين. اعجب كورتلمون من بين الركاب بتاجر من المدينة المنورة لمعرفته بجميع ما يجري في المنطقة

بعد ثلاثة ايام من مغادرة السويس، وصلا الى جدة، كان يصعب على السفينة الاقتراب من رصيف الميناء بسبب الشعاب المرجانية الخطيرة

يأتي مرشد من الميناء و يقود السفينة ببراعة بين الشعب المرجانية الى مكان تأتي اليه القوارب لنقل الحجاج الى رصيف الميناء

كان السنبوك الذي يحمل كورتلمون يلتوي بين الصخور المرجانية، كانت المسافة قصيرة الى رصيف الميناء ولكن محفوف بالمخاطر

عندما وصل الركاب، بدأ الزحام على طريق التزول، صراخ و صياح و تدافع بين الناس، تأشيرة الجوازات و اجراءات الجمرك .. الخ

شعد كورتلمون ان السلطات التركية تتعقبه لمعرفة تحركاته حين كان يشتري من السوق

وصف كورتلمون جدة قائلا: "شاطئها محترق مجدب، مرفأ موحش، وضعها محزن، لا يمكن تحمل الاقامة فيها، يقتلك الناموس ليل نهار ..

.. لا يمكن تحمل الاقامة فيها، الماء فاسد، لحرارة و الرطوبة مرهقة، لا يوجد فيها اثر للخضرة، منظر مدينة جدة محزن"

ولكنه وصف شوارعها بالحيوية، ارصفتها مليئة بالبضائع، جدران مبانيها حجرية، مشربياتها جميلة، سورها قوي

عبر كورتلمون عن اسفه لاهمال الاتراك المتعمد لهذه لمدينة جدة و الذي ستندم عليه يوما ما

وصف كورتلمون نظرات الشك و الريبة من سكان اهل جدة تجاهه و الذي كان يثير غضبه هو وصديقه

خفت نظرات الشك عندما دعا العمدة كورتلمون و صاحبه الى مأدبة عشاء و دعا اليها وجهاء جدة و اعيانها

للوصول الى مكة كان عليه ان يختار اما الجمال او الحمير، كان يرغب في امتطاء الجمل الذي يحب خطواته الناعمة على الرمال

الا ان كورتلمون اختار الحمير لانها تختصر المسافة الى يوم بدلا من يومين على ظهر الجمال، لبس كورتلمون الاحرام و سافر الى مكة

ركب كورتلمون على حماره عاري الجذع حليق الرأس تحت وجه الشمس المحرقة وكان اكثر ما يخشاه هو ان يصاب بضربة شمس

وصف كورتلمون مظاهر انعدام الامن في الطريق الى مكة قائلا: "كنا نسير و قلوبنا منقبضة نتقاطع مع القوافل دون ان نتوقف"

لم يتبادل كورتلمون الاحاديث مع الاخرين ولا حتى السلام خلافا للاعراف العربية، كان دائم الاستعداد لخوض معركة ويده على الزناد

توقف كورتلمون في حدة للراحة و وصلاة العشاء. شاهد تصرفات الادلاء و الجمالين و الحمارين مما يعكس خوف الجميع

كان كورتلمون يعيش احلك الظروف في حياتهو ماذا سيكون غدا؟ ما المصير الذي ينتظره عند دخوله للحرم الشريف في اليوم التالي؟

تجاوز الرحالة فجرا علامات الحرم وهي نقطة بداية تحريم الصيد، وكانت الطيور و الدواب آمنة تركض امام الناس دون خوف

كان وصوله الى مكة مفاجئا ولم يعلم انه وصل الا بعد ان وطأت قدماه اولى شوارع مكة

اقتاد المطوف عبدالرحمن بوشناق - مطوف المغاربة - كورتلمون الى مكان اقامته في مكة المكرمة

نظر الى الكعبة المشرفة شامخة و فند ادعاء الغرب ان الكعبة المشرفة ليست قبر الرسول صلى الله عليه و سلم

قال ان الكعبة هي بيت الله بالنسبة للمسلمين، سرة المسلمين، و كلهم حول العالم يتجهون اليها في صلواتهم

جلس كورتلمون في ساحة الحرم ينتابه شعور الاجلال و الاحترام و الحب، بعدها شرع في اداء اولى الصلوات ومن بعدها الطواف

انتاب كورتلمون حالة من الخشوع جعلته كما يقول، يفقد الاحساس بالجوع و التعب و العطش

وصل كورتلمون الى مكة قبل موعد الحج بشهر، وهذا مكنه وبسبب فراغ المكان من التمعن في ما يتعلق بالاكل و المبيت

سجل كورتلمون مشاعره قائلا: "شربت بلذة من ماء زمزم الذي كنت استزيد من شربه، لم يغمض لي جفن منذ ثلاث ليال منذ وصولي ..

.. استحضر ذكريات الايام التي قضيتها بمكة، هذه المدينة الخارقة، نزعت رداء حياتي الادمي لاغرق في نوع من السبات الروحي"

خصص كورتلمون في رحلته مساحة ليفند فيها دعاوي تلوث ماء زمزم

استطاع اثناء مقامه بمكة و سكانها يومئذ ١٠٠ الف نسمة، ٧٥٪ منهم من الهنود. تجول كورتلمون في احيائها وتعرف على شوارعها

استغرب كورتلمون من ترك الفوانيس مضاءة ليلا و اسواقها حيث تباع بضائع من ماركات اوروبية، داعيا فرنسا لتسويق بضائعها في مكة

قدم كورتلمون وصفا لضواحي و مباني مكة و اهتمام سكانها بتنظيف شوارعها بانفسهم

تحدث عن ظاهرة غريبة في مكة، جمال خضر تأتي كل ليلة الى مكة تحمل اهل التقى من موتى المسلمين من انحاء العالم

وتحمل هذه الجمال رفات غير المستحقين للدفن في مقابرها الى بلد بعيد، ونقل مفتي المالكية الشيخ عابد ما يعزز هذا ..

منها قصة فتى موركسي احب اميرة اسبانية اسلمت على يديه ثم فرقهما والدها النصراني

ماتت هي و دفنت في بلاد الروم، و لما اراد الفتى نبش قبرها لاسترداد اسورة كان اهداها اياها، فوجئ بجثة رجل بيده سبحة تلمع

اخد الشبحة و سافر بها الى مكة، وبينما كانت السبحة في يده وهو يتجول في شوارع مكة، اذا بمن يصيح فيه ان هذه السبحة لوالده

قال ان والده دفن في مقبرة المعلاة و اتهمه بانه نبش قبره و سرقها ..

عودة الى رحلة كورتلمون، تحدث الرحالة عن المطبعة الوطنية التي تطبع الكتب الدينية، وقال فيها: " خالجني احساس انني اقف امام ..

.. امام احدى مصادر قوة المستقبل، تنطلق من هذه المطبعة كتب تنشر في انحاء الدنيا تطالب بالزام الغرب بعتق الاسلام و تحريره"

اكبر كورتلمون في وصف اخلاق اهل البادية ممن يسكنون او يفدون الى مكة، قال انهم يعدون انفسهم من الاشراف

انفة مظهرهم شيء رائع. ظلوا احرارا بامتياز لا يقبلون اي نوع من انواع العبودية، بلدهم لا يزال الى اليوم بلد الحرية، لا تخضع لاي قيود

كانت موارد الوقود في مكة شحيحة، و يستخدم المكيون بعر الجمل المجفف و الخشب و نوعا شيئا من الفحم في الطبخ

وصف كورتلمون مشعر منى بعد الحج وهو خال من ٢٠٠ الف حاج بارض فسيحة صحراوية و عادية

كان ينتابه شعور بالخوف من ان يفتضح امره فيعدونه جاسوسا وربما يقتل، لانه لا يوجد من يمكن ان ينقذه مثل سلفه ليون روش

كان يواجه كل من يسأله ان كان جاسوسا انه لو كان كذلك لتخفى بين حسود الحجاج الاجانب و لم يكن احد ليلحظ ذلك

لفت الشيخ محمد عابد بن حسين نظر كورتلمون انه ينبغي ان يفرح لتساهل السلطات مع الاجانب تلك الايام

وقال ان السلطات وقبل سبع سنوات من ذلك التاريخ كانت تخلي مكة من الاجانب بعد موسم الحج

كانت اللحظة الحاسمة من رحلة كورتلمون عندما تمكن من التقاط بعض الصور لمكة من كاميرته التي كان يخفيها بين سجاد الصلاة

التقط كورتلمون صورا لمكة من فوق قمة جبل ابي قبيس، وكانت اولى الصور التي التقطت لمكة، وهي اكثر بلاغة من اي وصف

لما انهى كورتلمون المهمة التي ندب نفسه وندبته فرنسا لها، وجمع كل ما يحتاج من معلومات عن المدينة و احوال سكانها

زار الشيخ محمد عابد مفتي المالكية و طلب منه ان يحرر له رسالة تدل على صدق تعبده، و حرر له المفتي هذه الرسالة و كتب فيها ..

.." أمعنا النظر في حاله فوجدناه مؤمنا حقا"، وفيها توصيات لحاملها بالمزيد من معرفة الدين الاسلامي

امتطى الحمير مع صديقه أكلي للعودة الى جدة، التحقا بمسافرين آخرين في الطريق، سقط سبع مرات من ظهر الحمار ولم يصاب باذى

وصل كورتلمون الى جدة دون توقف عدا استراحات في نقاه في الطريق، دخل كورتلمون جدة من بوابة باب مكة

تلقى كورتلمون في جدة التهاني الحارة من القنصل الفرنسي على عودته سالما، وقام بعدة جولات داخل احياء جدة

كان كورتلمون دائم الحذر من الذين يراقبون تحركاته الا انه كان اكثر ارتياحا، و التقط العديد من الصور لمدينة جدة

كادر كورتلمون جدة على متن سفينة نمساوية كانت على وشك الابحار، ودع اصدقاءه من شخصيات جدة الذين ساعدوه في البداية

على متن السفينة ارتدى ملابس انيقة و تخلى عن مظاهر الفقر التي ساعدته في تشتيت الانتباه عنه و تخلص من التحفظ الصارم

كانت السفينة في طريقها الى ميناء ينبع، و كان يخطط للسفر الى المدينة المنورة، اقتربت السفينة من ميناء ينبع

كلما اقتربت السفينة بدا المنظر خلابا و تبدوا في الافق الجبال الشاهقة، لاحظ في اسواق ينبع انتشار تجارة الجملة

كانت البضائع تفرغ على ميناء ينبع، و تتقدم قوافل الجمال المتجه للمدينة لشرائها و نقلها الى المدينة المنورة

غادر كورتلمون ميناء ينبع دون زيارة المدينة المنورة بسبب مرض رفيقه أكلي

ولكنه عاد لاحقا و زار المدينة في مناسبة تدشين قطار السكة الحديد الحجازي عام ١٩٠٨ وفيها التقط كورتلمون اول صورة ملونة للمسجد النبوي

من ثمار زيارته لمكة ان فرنسا منحته وسام الشرف برتبة فارس

ينهي كورتلمون رحلته بالتاكيد على امرين، شعوره بشك اهل الحجاز باسلامه رغم انه لم يبدر منه اي تصرف فيه سخرية من الاسلام

و الثانية موقفه من الاسلام الذي لم يتغير قبل الرحلة و بعدها، و كرس صفحاته لتبديد سوء الفهم المزعج عن الاسلام

كان ينظر الى المستقبل الذي يتحقق فيه حلمه الجميل في السفر الى قلب الجزيرة العربية نجد

وصف الدكتور محمد خير البقاعي في محثه بمجله مكتبة الملك فهد الوطنية ان كورتلمون يكتب في كتابه عن الاسلام بروح المحب للاسلام

وهذا نادر مما يجعلنا نعجب المؤلف و نهنئه من صميم الفؤاد لانصافه و تجرده

و اشار البقاعي ايضا ان كورتلمون رزق بمولود كان له ثلاث اسماء، فيكتور، شارل، و عبدالله، ليسجل اهتداء كورتلمون للاسلام

مرض كورتلمون ١٥ شهرا و توفي عام ١٩٣١ في فرنسا، كفنوه بثوب احرامه الذي ادى فيه الحج

دفن و معه حلقة من الفضة بداخلها رسالة من مفتي المالكية وفيها انه "كان مسلما حقيقيا لا يبتغي في ذلك الا وجه الله" ….. انتهى


Tuesday, July 7, 2015

رحلات محرمة - رحلة كريستيان سنوك

ولد كريستيان سنوك هورخرونيه لاب قسيس شمال برابات في هولندا عام ١٨٥٧، التحق بجامعة ليدن لدراسة اللاهوت عام ١٨٧٤

عام ١٨٨٠، نال الدكتوراه في اطروحته عن الحج عن الحج عند اللمسلمين و اهميته في الدين الاسلامي

عمل سنوك محاضرا في الجامعه و سافر عام ١٨٨٤ للجزيرة العربية للتعرف على حياة المسلمين وحقيقة الاسلام

وصل سنوك الى جدة بصحبة القنصل الهولندي وبقي فيها خمسة اشهر الى ان اتقن اللهجة الحجازية

غادر سنوك جدة عام ١٨٨٥ و دخل الى مكة تحت اسم عبدالغفار، وكغيره لم يدخل سنوك متخفيا، بل كعالم هولندي مسلم اعلن اسلامه

ادعى انه اتى لتلقي العلم و تأدية الحج و ان هدفه هو تعلم القرآن الكريم

كان ينوي الجلوس في مكة الى الحج الا ان القنصل الفرنسي في جدة كشف هويته و اسمه الاوروبي في احدى الجلسات الاجتماعية

غادر سنوك مكة بعد ان قضى فيها ستة اشهر حتى لا يعرض نفسه للخطر، لعلمه انها محرمة على غير المسلمين

قال سنوك "درست النظم المثالية و الحياة الواقعية بالمسجد و الديوان و المقهى ومن واقع الحياة اليومية ..

.. سمعت باذني ما يتعلمه الناس في المدينة و ما يعلمونه. اقمت علاقات و معارف مع علية القوم في مكة" انتهى كلام سنوك

اكمل سنوك كتابا خلال فترة اقامته في مكة عن مكة وذاع صيت كتابه في انحاء اوروبا و تسابقت الجامعات لجذبه للتدريس بها

فضل سنوك دراسة الاسلام في جزائر لبهند الشرقية - اندونيسيا - التي كانت تستعمرها هولندا، واقام سنوك في جزيرة جاوة

اقام فيها ١٧ سنة و تزوج من ابنة امير اندونيسي و انجبا اولادا، لم يميل الاندونيبسيون الى تصديق شائعة انه ارتد عن الاسلام

كان البعض يروج الى انه جاسوس يجمع معلومات عن نشاط معارضي الاستعمار الهولندي لبلادهم

عاد من جاوة الى جامعة ليدن علام ١٩٠٦ وبقي الى ان تقاعد عام ١٩٢٧، واصل رحلاته الى الشرق الى ان توفي عام ١٩٣٦ عن ٨١ عاما

الف سنوك عدد من الكتب منها "الحج الى مكة" و "مكة في نهاية القرن ١٣ هجري" وغيرها الكثير من الابحاث و المقالات

عن رحلته الى مكة: بعد ان اتقن سنوك اللهجة الحجازية في جدة، غادر مع اربعة من الجاوة في اربعة جمال الى مكة و دخلها عام ١٨٨٥

ونورد هنا تلخيصا لما ورد في كتابه "مكة في نهاية القرن ١٣ هجري"

رأى سنوك تنوع سكان مكة عرقيا مما يفند آراء المستشرق رينان بان مبدأ تشكيل الامم قائم على تناسق عناصر السكان ووحدة اصولهم

كتب ان سكان مكة الكثير منهم من الوافدين اليها من بلدان الدول الاسلامية قاصدين جوار بيت الله الحرام

ولم يكن هذا هو السبب الوحيد حيث ان هناك سبب اقتصادي، و الكثير من الوافدين يشتركون معا في حرفة التجارة

ويفد الى مكة العديد من المتسولين الذين يحاولون اكتساب الرزق من اي عمل يتاح، كحفظ احذية المصلين على ابواب المساجد

من انشط العناصر التي استوطنت مكة الحضارم، الذين يأتون خاليي الوفاض، ولكن بجدهم و تفانيهم يكونون ثروة

اما سكان البادية الفقراء ممن يأتون الى مكة، فيشتغلون بحراسة المنازل، وهؤلاء عندهم امانة للقايم بهذا النوع من العمل

يعمل "التكارنة" الاحرار و القليل منهم من العبيد كحمالين، كما يعملون في تنظيف قناديل الاضاءة في الشوارع و اعمال الحفر

تحدث سنوك عن هجرة الجاويين لاسباب دينية، و النجديين لاسباب تجارية و غيرهم من الجاليات التي اتت من كل جنس و لغة

يشعر المهجرون الى مكة انهم في بلدهم على الرغم من انهم غرباء، وبالتدريج يجدون انفسهم وقد اندمجوا في المجتمع المكي

وقال عن اهل مكة ان معشرهم عذب ومولعون بالمرح وكرماء الى درجة التبذير و يكرسون جهودهم للحياة الاجتماعية

شرح سنوك في كتابه عن وضع العبيد ودكة بيعهم مشيرا الى الجوانب الانسانية الطيبة في علاقة السيد بالعبد

كان العبيد لا يباعون الا برضى العبد نفسه ذكرا كان ام انثى، ويشدد المشتري في سؤال العبد ان كان يرغب في خدمة السيد

ان كان العبد غير راضي، فانه يطلب بان يباع لسيد غيره، وفي بعض الحالات كانت الجارية تعرض نفسها في السوق دون اذن سيدها

كتب سنوك عن دهشته من احد كبار رجال مكة وهو يعامل عبده بادب جم و تحدث قائلا ان والده رباه على احترام عبيده

لاحظ سنوك نشاط الزمازمة الذين يتولون توزيع ماء زمزم، كما ان بعض الاثار في مكة لا يدخلها زائر الا بعد ان يدفع مبلغا من المال

تحدث سنوك عن دور المطوفين مع الحجاج و دورهم في نقلهم من جدة الى مكة و الترجمة لمن لا يحسن اللغة العربية

الطوافة هي اكثر المهن اهمية في مكة، فكانوا يستقبلون الحجاج عند نزولهم من السفينة، ويساعدونهم في الامتعة

يختار المطوفون السكن و استئجار الجمال التي تنقلهم الى مكة و كافة الترتيبات اللازمة من خيام و جمع الحطب لمنى و عرفات

كان المطوفون يلعبون دور المظيف و يقرضونه عند الحاجة و يزوجونه اذا رغب ببكر او ثيب او ارملة

تصاب الحالة الاجتماعية في مكة بالفتور بعد انتهاء موسم الحج حتى شهر محرم حيث يدب النشاط بسبب مناسبة يوم عاشوراء

كما يحتفل اهل مكة بميلاد النبي صلى الله عليه و سلم و تطلق المدافع و يقرأ المولد في ساحات الحرم و توزع الحلوى و تضاء الشموع

يخرج الحشد من المسجد حاملين القناديل و يسيرون عبر اسواق القشاشية و سوق الليل الى مكان مولد النبي صلى الله عليه و سلم

كان علماء المسلمين قبل ٣٠٠ سنة يصرحون بمعارضتهم للاحتفالات بالمولد لانها كانت تثير الشبهات اكثر من الفضائل

في ١٢ من شهر رجب يقام احتفال كبير في الزاوية السنوسية على سفح جبل ابي قبيس وفي ٢٧ من نفس الشهر الاسراء و المعراج

في نهاية شهر رجب، تبدأ مجموعات الحجاج بالوصول الى مكة وفي شعبان يزداد العدد، ويحرص الحجاج على الصيام في مكة

ويصف سنوك النشاط في رمضان حيث يعمر المسجد الحرام بقراءة القران و يشغل المسلم نفسه بالطاعات

يلقي العلماء المحاضرات نهارا رغم الحر الشديد و قبل الغروب يبدأ الاستعداد للافطار و يتدفق الصائمون الى الرحم حاملين افطارا خفيفا

الاثرياء يدخلون الحرم يتبعهم عبيدهم الذين يحملون على رؤوسهم اطباقا معدنية ثقيلة بانواع الطعام

عندما تقام الصلاة، يبدأ الاحناف بالصلاة خلف مقام الامام الحنفي و نفس الشيء مع باقي المذاهب

تقام صلاة التراويح بعد العشاء، وكان من النادر ان لا ترى شخصا لا يصلي التراويح، و تستمر الصلوات الى منتصف الليل

تصاب حركة البيع في مكة بالركود في اوائل الشهر و تنشط آخره حيث مشتريات العيد

تبدأ استعدادات العيد ليلة ٢٩ و يبدأ الناس بتنظيف بيوتهم و سجاجيد البيت و الحلاقة و الحجامة و شراء الحلوى

يقول سنوك ان المسجد يزدحم بالمصلين في صلاة العيد، ويتبادل الناس الزيارات في ايام العيد الثلاث

بنهاية شهر شوال يتكاثر الحجاج و يبدأ التنافس بين المطوفين على اعداد الحجاج

كان امير مكة والوالي العثماني يمارسان اساليب الابتزاز ضد افراد الطوافة لاخذ المال، ومن يعترض يزج به في السجن

ياخذ على الاوربيين نقلهم معلومات خاطئة عن مكة و نجد، كل المعلومات التي وصلت لاوروبا كانت انطباعات من حجاج لا يعرفون حقيقة اهل مكة

فند سنوك الافكار الخاطئة عند الاوربيين عن الحياة الاجتماعية لاهل مكة

 كان الاوروبيون يعتقدون ان خلف بيت المسلم يوجد سجن يحوي في العادة على اربع نساء وعدد لا يحصى من الجواري لاشباع نزوات سيدهن

عندما يخرجن من السجن لابد من ان يرتدين الحجاب المكثف، وذكر ان المرأة تشارك الحديث مع زوجها و ضيفه من وراء الحجاب

فند سنوك ايضا المفاهيم الخاطئة عند الاوروبيين والخاصة بتعدد الزوجات، وان هذا النوع من الزواجات مقتصر على الاثرياء جدا

وذكر ان الزواج بواحدة هو السائد عموما، وصف سنوك احتفال تسمية المولود و حفل الختان و اباحة الاجهاض قبل نفخ الروح في الجنين

و يختم سنوك كتابه بفصل عن سكان مكة و ركز على الوافدين من جزر اندونيسيا ممن يعرفون في مكة بالجاوة

معظمهم متواضعون بطبعهم و عندما استقروا بمكة اندمجوا مع الحياة المكية

دافع سنوك عن ما يقال عن الجاوة في هولندا من انهم طاعون المجتمع و انهم شديدوا التعصب و الكراهية للاوروبيين …. انتهى

Monday, January 19, 2015

كارين آرمسترونغ - محمد، محاولة غربية لفهم الاسلام


محمد صلى الله عليه و سلم، محاولة غربية لفهم الاسلام 

كتاب جدير بالقراءة لما فيه من محاولة انصاف لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم وللاسلام 

في خضم هذه الهجمة الشرسة على الاسلام التي امتدت قرونا منذ تشكلها في القرن الثامين الميلادي ثم اشتدادها على يد الصليبيين

من ثم تطورت على يد الجماعات التبشيرية النصرانية في القرون الاخيرة والتي يعتبر القس الامريكي صاومويل زويمر عرابها ومحركها

وقد احيا البابا بيندكس في محاضرته الشهيرة والتي اساء فيها لنبينا عليه الصلاة و السلام وعلى جميع الانبياء حربا صليبية فكرية

انتفض لها العالم الاسلامي دولا و حكومة و شعوبا وفي طليعتهم قادة الاجتهاد و الفكر و الثقافة صدا لهذه الهجمة الصليبية 

امضت مؤلفة الكتاب كارين آرمسترونغ الرومانية سبع سنوات راهبة كاثوليكية ثم درست الادب الانجليزي في جامعة لندن 

انصرفت للتدريس ست سنوات في احدى مدارس البنات، ث بعد ذلك عملت مذيعة 

انصرفت بعد حصولها على الدكتوراه في بحثها ؛الله و الانسان على امتداد ٤٠٠٠ سنة" للكتابة التلفزيونية 

وضعت كتابا عن حياتها "عبر البوابة الضيقة" كما الفت كتبا اخرى اهمها " محمد: محاولة غربية لفهم الاسلام "

في الفصل الاول من الكتاب تتبعت تهم الغرب المسيحي للاسلام ومواقف الساسة الغربيين منه القائمة على الجهل المطلق 

تتبعت الكاتبة تلفيقات الغرب المسيحي لتشويه الاسلام، والتي صورت للمسيحيين نبي الاسلام حاشاه صلى الله عليه و سلم ..

و تنزه عن ما نسبوه باطلا اليه بانه ساحر، دجال ومدعي اكبر و انه فاسق، وانه الهم اتباعه ان يحذو حذوه في اشباع غرائزهم 

وقالوا انه اجبر شعبه على اعتناق الدين بالسيف و ان القرآن لم يكن وحيا بل هرطقة علمه اياه الراهب سيرجيوس المنشق عن المسيحية 

قال اعداء الاسلام في ان الوصف المسيد و النبوءات عن الدجال التي وردت في كتب المسيحية تنطبق على النبي محمد عليه السلام 

ثم نشروا زورا ان محمدا قتل عندما مزقه قطيع من الخنازير، ومن هذه اللحظة تشكل التصور النمطي و تراكم عبر القرون 

كان المسيحيون يزيدون ما يستطيعون من نقائض عن الاسلام و نبي الله محمد و استمر هذا التلفيق الى اليوم 

قارنت آرمسترونغ تسامح المسلمين و تعصب الميسحيين عبر التاريخ وقدمت شواهد على كل هذا ووضحت موقف الاسلام من الشبهات 

المؤلفة في الفصل الاول من كتابها اعترفت بما اصبح عليه الاسلام من قوة يحسب حسابها مع نهاية القرن العشرين 

على عكس ما كان يروج لها الغرب من ان الاسلام خرافة والى زوال، ثبت بعد انهيار الشيوعية ان ذلك كان نبوءة زائفة 

مما يثير الدهشة ان ذر قرن التطرف الديني "الاصولية" بين اتباع اغلب اتباع الديانات الرئيسية وما رصدته المؤلفة من تسامح

تمثل في تبادل بعض المفكرين للاعجاب باديان مغايرة متجاوزين حواجز العداوة و الخوف 

"بقي دين رئيسي خارج هذه الدائرة وبقيت صورة سلبية ماثلة عنه عند الغربيين بالرغم من انه اكثر انسجاما مع تراثنا المسيحي-اليهودي ..

.. ذلكم هو الاسلام" .. كما قالت آرمسترونغ، وكتبت ايضا: " اننا نحن الغربيين نملك تاريخا طويلا من العداء للاسلام و الحقد القديم عليه ..

.. وما زال في تصاعد على جانبي الاطلسي، ونادرا ما يتردد الناس في التهجم على هذا الدين وان تكن معرفتهم له ضحلة" 

وتشير آرمسترونغ الى انه و حتى ظهور الاتحاد السوفيتي: "لم يسبق لدولة او ايدوليجيا ان شكلت تحديا مستمرا للغرب مثل الاسلام ..

.. حتى القرن ال ١٨، كانت نتائج الحروب الصليبية على الاسلام انها لم تفشل فحسب، بل احضرت الاسلام الى عتبة اوروبا على يد العثمانيين"

عادت الى ما آثاره انتشار الاسلام منذ بدئه من خوف لدى المسيحيين عندما شكل الاسلام قوة عالمية عظمى 

ادخلت القبائل البربرية التي كانت تجتاح اوروبا ثقافتها في بركة آسنة، حتى بعد نهوض اوروبا، كان خوفها افقدها القدرة على العقلانية ..

.. تجاه الاسلام، وبسبب هذا الخوف نسجوا صورا مخيفة عن الاسلام واصبح اسم محمد بعبعا للناس تستخدمه الامهات لاخافة اطفالهم 

كانت المسرحيات الصامتة تصور محمدا على انه عود للحضارة الغربيةو اصبحت هذه الصورة احدى المثل المتوارثة في اوروبا الى الان 

من اطوار تشكل العداوة للاسلام طور ظهر في اسبانيا مطلع القرن التاسع الميلادي حين جاهر الراهب الاسباني بيرفكتوس بذم النبي 

وقد شجب اسقف قرطبة هذا الفعل منه ومن امثاله، وتكرر من بيرفكتوس ومن غيره في ظل دولة يحكمها الاسلام في قرطبة 

تردد القاضي بالحكم بقتله ولم يصدره عليه وعلى ٥٠ آخرين على فترات متباعدة الا بعد ان تمادى و تمادوا في الذم 

واصبح ذم النبي جريمة عقوبتها القتل، وقد اعتبرهم المسيحييون بعد قتلهم قديسين من جنود الله 

ومع بداية القرنين ال ١٠ و ١١، استعادت اوروبا الصورة السابقة عن الاسلام و نبيه، وتشحن اتباعها ضد الاسلام و اتباعه 

 وبدأت الممالك و الامارات الاسلامية في اوروبا تتلقى ضربات الغرب المسيحي، عام ١٠٦١ م في جنوب ايطاليا ، وعام ١٠٨٥ في طليطلة

في بداية القرن ١١، بدأت اولى الحروب الصليبية وزادت ادبياتها في الصورة النمطية عن المسلمين 

ادعت الحروب الصليبية ان المسلمين عبدة اوثان يسجدون امام ثالوث من الالهة : ابولو - تيرفاغانت و محمد 

عندما استولى الصليبيون على القدس عام ١٠٩٧، ذبحوا سكانها المسلمين باعصاب باردة، وكان وصفهم للمسلمين بالقذرين 

ترسخ مع الغزو الصليبي في اذهان المسيحيين اسطورة "محمد العدو"

في القرن ١٢، صمت اوروبا آذانها عن طلائع الصورة الايجابية التي قدمها بطرس المبجل رئيس دور كلوني و المؤرخ اوتوفريزنغ ..

.. ووليام مالمسبري عن المسلمين، فالعرب و الاتراك يعبدون الله الخالق و يبجلون محمد لا كإله لهم، بل كنبي

فرضت المؤسسة المسيحية سياسة التمييز العنصري ضد المسلمين و اليهود، وتم حظر اي اعمال في منازل المسلمين او التجارة معهم  

اضاف البابا غريغوري بان يلبس المسلمون واليهود ممن يعيشون تحت الحكم المسيحي لباسا متميزا

وتم منع المسلمين من الخروج اثناء الاحتفالات المسيحية و الاشغال في الوظائف الحكومية او رفع الاذان للصلاة لانه يؤذي المسيحيين

تواصل العداء في الغرب عند لويس التاسع الذي قاد حملتين صليبيتين على العالم الاسلامي مطلع القرن ١٣ ميلادي 

مرة اخرى تصم اوروبا آذانها عما كتبه ريكولدو دامونتي كروس ان موقف المسيحيين من المسلمين يبعث على الخجل

اعلن البابا كلمنت الخامس اوائل القرن ١٤ ان الوجود الاسلامي على التراب المسيحي اهانة لله، وبدأ المسيحيون يزيلون هذه الفاحشة 

في آخر القرن ال ١٥، استولى فيردناند و ايزابيلا على اخر معاقل المسلمين في اسبانيا وسقطت غرناطة 

نشطت بعدها محاكم التفتيش ل ٣٠٠ سنة لتنظيف اسبانيا من المسلمين قتلا و حرقا و ابعادا 

وقد عزز فشل الحروب الصليبية و دحرها من بيت المقدس و الشام تنشيط تيار جديد من المسيحيين يدعو لايجاد طريقة جديدة ..

.. للتعاطي مع التهديد الاسلامي لان هذا الخطر كما يشير جون سغوفيا لن ينهزم بادا بالحرب او بالنشاط التبشيري التقليدي 

فاقترح جون فكرة مؤتمر دولي يتبادل فيه المسيحيون و المسلمون الافكار، وصم المسيحيون آذانهم عن هذا 

ولم تتوفر في اوروبا حتى القرن ١٦ المصادر التي تعين بعض المفكرين المسيحين للكتابة الموضوعية عن الاسلام 

قالت آرمسترونغ: "انه من الخطأ ان نتصور الاسلام دين عنف او تعصب كما يقول البعض" 

وترضد آرمسترونغ ان النزعة الاصولية ظهرت بين الكثير من اتباع الديانات و الافكار، فهناك اصولوية هندية، وبوذية ومسيحية 

 قال جيري فالويل: "من الخطأ ان ننظر للمتطرفين المسلمين على انهم الصورة النموذجية لدينهم

واضافت: "لقد ساهم الاعلام الغربي في تكبير كل سلبية عن المسلمين وحجب الايجابيات عند المسلمين" الصحافة تحرك التعصب التقليدي القديم

وفي احد فصول كتابها تضرب آرمسترونغ الامثال لما عند الغرب من تصورات خاطئة يلصقها بالاسلام، وتدافع فيه عن موقف الاسلام 

قالت: "هو دين لديه اشياء كثيرة هامة يعلمنا اياها. الاسلام يشكل تراثا باستطاعته التحدث الي ..

.. بهرت بما يكنه الصوفيون للاديان الاخرى، وهي ميزة لم اقابلها في المسيحية بكل تاكيد"

بعد محاولة ريكولدو دامونتي، لم يظهر كتاب فيه شيء من الموضوعية عن الاسلام الا في نهاية القرن ١٧، في بداية عصر التنوير في اوروبا 

كتب بارتلمي ديربلوت كتابا بعنوان "البيبلوغرافيا الشرقية" ولاول مرة يقدم للغرب المسيحي معلومات عن الاسلام مستقاة من مصادر عدة 

كان هذا الكتاب نقطة في بحر من الكتب في هذا القرن التي تعتمد على الصورة النمطية الكاذبة الملفقة عن الاسلام 

كتب المستشرق الانجليزي "همفري بريدو" كتابا بعنوان "محمد الطبيعة الحقيقية للدجل" 

في هذا المناخ العدائي، كان طبيعيا ان ينزعج المسيحيون في القرن ال ١٨ من كتاب سيمون اوكلي بعنوان "تاريخ العرب و المسلمين" 

في كتابه قدم الجهاد عند المسلمين من وجهة نظر الاسلام رغم انه لم يتخلى في كتابه عن الموروث السلبي عند المسيحيين عن الاسلام 

في منتصف القرن ١٨، ظهر اول كتاب يدافع عن الاسلام في المكتبة المسيحية الف فرانسوا فولتير بعنوان "طبائع الامم و روحها" 

دافع فيه عن النبي محمد كمفكر سياسي عميق و مؤسس دين عقلاني حكيم 

استنتج في كتابه ان نظام الحكم الاسلامي كان اكثر تسامحا من التراث المسيحي ، ولكنه لم يخلوا من التلفيق ضد الاسلام 

وتعرض المستشرق الهولندي يوعان يعقوب الى ملاحقة مسعورة بسبب كتابه لانه ابرز المقدس في حياة محمد و خلق الاسلام 

في نهاية القرن ١٨ امتدح المؤرخ ادوارد جيبون في كتابه "انحطاط و سقوط الامبراطورية الرومانية" الوحدانية النبيلة في الاسلام 

بين ان المغامرة الاسلامية كانت تستحق مكانة في تاريخ الحضارة العالمية، ولكنه رفض اعتبار ان القرآن وحيا من الله 

حتى توماس كاريل في القرن ١٩ في دفاعه عن النبي محمد في كتابه الابطال رآه متدينا ولكنه تابع جيبون في رأيه في القرآن 

حتى يتحقق اختراق جدار المسلمين الصلب والذي استعصى على كل خطط المسيحين عسكريا و فكريا، كان على نابليون ..

وهو يزحف لاحتلال مصر ان يخاطب سكان الاسكندرية بزعم جديد في التفكير المسيحي - نحن المسلمون الحقيقيون 

امتدح نابليون امام علماء الازهر محمدا مما خفف من عداوة الناس له، وبقيت الطبقة المثقفة الفرنسية على موروثها الظالم عن الاسلام 

قال شاتوبريان المعاصر لنابليون: "ان الاسلام عثيدة عدوة للحضارة مواتية منهجيا للجهل و الطغيان و العبودية ..

.. الاسلام ليس مثيلا للمسيحية، فهو لا يدعو الى كراهية الظالم ولا الى حب الحرية" 

وتابع الفرنسي آرنست رينان تكرار الموروث الظالم عندما توصل الى ان اليهود و العرب تركيبة سفلى من الطبيعة البشرية

تميز القرن ال ١٩ بخضوع العالم الاسلامي لشتى اشكال الاستعمار الاوروبي على خلفية هذا الموروث الفكري الجائر 

 عندما دخل الجنوال اللنبي دمشق محتلا اعلن ان الحملات الصليبية قد اكتملت 

ولما وقف عند قبر صلاح الدين الايوبي صاح: "هاقد عدنا يا صلاح الدين، زعم المستعمرون انهم كانوا يجلبون التقدم و التنوير 

اظهر المستعمرون حقدهم الدفين على الاسلام فقال اللورد كرومر في مصر ردا على محاولات محمد عبده الاصلاحية ..

.. "ان الاسلام ليس في وسعه ان يصلح نفسه و ان العرب غير قادرين على اصلاح مجتمعهم"

توصلت آرمسترونغ الى ان المسلمين في البدء ما كانوا يعرفون تفاصيل الموروث المسيحي عن الاسلام و المسلمين 

لما احتكوا بالغرب المسيحي من خلال الاستعمار اعجبوا بنوعية واسلوب الحياة الغربية الذي بدا لهم انه يقدس مثلا كثيرة 

ولكن في السنوات ال ٥٠ الاخيرة خسر الغرب هذا الاتجاه عندما بدأ العالم الاسلامي يكتشف تدريجيا عداوة الغرب و حقده على النبي محمد

قالت: " اننا في الغرب ننتج باستمرار انماطا جديدة كي نعبر عن كراهيتنا المتأصلة في نفوسنا تجاه الاسلام"

حتى في القرن العشرين، ما زال الموروث الجائر عن الاسلام حجر الزاوية في احكام اكثرية المثقفين الغربيين عليه 

مثلا يرى فاس ولدون وهو يناقش ردود فعل المسلمين على اساءات سلمان رشدي ان القران ليس اداة للفكر بل اداة كبح للتفكير 

في المقابل ولد في القرن ال ٢٠ بين المثقفين المسيحيين كثيرون ممن تمردوا على الموروث المسيحي عن الاسلام 

بل وحاولوا توسيع فهم الغرب للاسلام من امثال لويس ماسينيون و جيب هنري و مارشال هودغسون وولفريد سميث 

سار هؤلاء على خطى بطرس المبجل و استخدموا المعرفة لدحض التعصب الذي كان في عصرهم 

قال ولفريد سميث: "ان القسم المسلم من مجتمع بشري لا يمكنه ان يزدهر الا اذا كان الاسلام قويا وحيويا و نقيا و مبدعا و سليما" 

خخصت آرمسترونغ الفصل الثاني من كتابها بعنوان "محمد رجل الله" ضمن تفصيل سيرته صلى الله عليه و سلم الذاتية 

اعتمدت على كتب السير الاولى للمسلمين مثل ابن اسحاق، ابن سعد، الطبري والواقدي

اكتسحب في فصول كتابها كل مافي الموروث المسيحي من تلفيق عن حياته و رسالته بادئة بالبيئة التي ولد فيها صلى الله عليه وسلم

كتبت عن محيط سكان مكة الوثني و ظهور قلة المتحنفين الموحدين واحوال قريش و نجاحاتها التجارية 

تناولت آرمسترونغ بشرية محمد، فهو رقيق رحيم لطيف يغضب و يضحك. قالت: "لو كان باستطاعتنا ان ننظر الى محمد ..

.. مثل ما ننظر الى شخصية تاريخية هامة، فاننا بالتكأكيد سنعتبره بكل تأكيد واحد من اعظم العباقرة الذين عرفهم العالم 

تناولت آرمسترونغ في كتابها عن الجاهلية، وطفولة النبي و ارهاصات النبوة ونزول الوحي ومقاومة صناديد قريش لنبوته 

تناولت ايضا في كتابها دهوة النبي لقبائل مكة و الطائف وحزنه على وفاة عمة وهجرته الى المدينة 

تحدثت في كتابها ايضا عن زواج النبي من عائشة ام المؤمنين و الاقاويل التي اتسمت بالتجني و البذاءة و الحقد الدفين 

وتحدثت في كتابها بموضوعية عن مقاومة اليهود للنبي و الاسلام رغم المعاهدة التي بينهما 

قالت آرمسترونغ: "يصعب علينا نحن الغربيين مناقشة علاقة محمد مع اليهود لانها تبرز اشباحا كثيرة مخجلة من ماضينا" 

اضافت: "لم تكن لدى محمد رغبة في جعل المدينة خالية من اليهود، كان صراعه مع بني قينقاع سياسيا محضا .. 

.. لم ينتقل محمد لعشائر يهودية في المدينة بقت وفية للمعاهدة وعاشوا مع المسلمين في سلام ولم يجلهم من المدينة الا بعد محاولتهم قتله" 

ردت آرمسترونغ تهم وشبهات ان الاسلام دين السيف يقدس العنف و عدم التسامح، وهذه تشويه للحقائق 

قالت ان الفترة التي بعث فيها كانت فترة فوضى و تردد ولا يمكن تحقيق السلام فيها الا بالسيف 

اشارت ايضا: "كثيرا ما يشير القران الى ان الحرب مقيتة وانه ينبغي على المسلمين ان لا يبدأوا بالعداوة ..

.. ان الحرب الوحيدة العادلة هي حرب الدفاع عن النفس، ان لفظة الاسلام تعني السلام و المصالحة"

كما تناولت بروح التفهم قضية تعدد الزوجات في السلام و انه ليس لتحسين الحياة الجنسية لدى الرجال بل جزء من تشريع اجتماعي 

كان التعدد حلا لمشاكل ارامل قتل ازواجهم في المعارك وكن بحاجة الى رجل يحميهن، ومن شروطها طبعا هي العدل 

تحدثت آرمسترونغ عن الحجاب وكيف ان المراد منه ليس الحط من قدر النساء بل دلالة على مركزهن الرفيع في الاسلام 

زوجات الصليبيين اخذن الحجاب آملات ان يلقين معاملة افضل بعد ان رأين الاحترام الذي حظيت به النساء المسلمات 

قالت: "اننا في الغرب ندعوا الى مساواة النساء و تحريرهن وفي الوقت نفسه نحط من قدرهن في الاعلانات و الافلام الاباحية" 

من اجمل ما كتبت آرمسترونغ: "كان عبقريا و الاسلام دينا عمليا وواقعيا، الذكاء البشري والوعي الالهي يعملان بانسجام جنبا الى جنب"

تولدت لدى الغرب عبر القرون الى اعتبار محمد شخصية صارمة، محاربا شرسا و سياسيا صلبا 

ولكن في الحقيقة كان رجلا ذا مشاعر تفيض بالرقة و الطيبة، احب حتى الحيوانات، لوم يكن ليزعج قطة اذا وجدها نائمة على عباءته 

لقد نمى المسلمون من خلال الاقتداء بمحمد هذا الحس العميق بالاخوة و التضامن 

لقد استمرت المثل العليا التي الهمت محمد و الخلفاء الراشدين من بعده في ان تكون قوة كبيرة في المجتمع الاسلامي .. انتهى ..

اكثروا من الصلاة و السلام على النبي محمد صلى الله عليه و سلم .. 

Friday, January 2, 2015

رحلات محرمة - الرحالة جون توماس كين


ولد الرحالة جون توماس كين في يوركشاير في انجلترا عام ١٨٥٤، كان والده قسيسا عمل في مجال التبشر 

عمل كين بحارا مند ان كان في ال ١٢ من عمره وقضى فيها ١٧ عاما، عندما وصل الى جدة، كان كين قد جاب البحار السبعة 

عمل كين في عدة مجالات، التجارة البحرية، التاليف، عمل مراسلا حربيا في الصين، ورجل سكة حديد في الهند و احيانا عمل مزارعا

توجه الى اسطنبول عام ١٨٧٧ و عمل فيها جنديا في الجيش العثماني، وفي نفس العام توجه الى الاسكندرية 

اتيحت له فرصة زيارة مكة و المدينة واداء الحج، كان مستعدا لما اكتسبه من خبرة في التعامل مع المسلمين بسبب عمله في السفن 

جاءت الرحلة بعد ان تطورت السفن البخارية في اوروبا وبعد فته قناة السويس مما سهل الوصول الى ميناء جدة 

وزاد اهتمام بريطانيا، التي كانت تستعمر الهند آنذاك، بالحجاز بسبب حج مواطنيها و حرصا على تأمين الخطوط البحرية 

انتحل كين صفة رجل مسلم يدعى الحاج محمد امين، ومتسلحا بخبرته في البحار و عادات المسلمين، سافر الى الحجاز وهو في سن ال ٢٣

عندما وصل الى جدة، لاحظ كين سوء معاملة السلطات التركية التي كانت تفرض جمارك على كل حاج و بدون اي سبب 

لم يتكلم كين كثيرا عن جدة ولكنه وصفها بمدينة متعددة اللغات، سجل كين اسمه في القنصلية البريطانية 

حاولت القنصلية ثنيه عن الذهاب في رحلة الحج الا انه اصر على الذهاب 

اغتسل كين و لبس الاحرام وخرج الى مكة في قافلة امير من ٥٠ رجلا و ١٣ جملا خرجت القافلة من بوابة جدة الشرقية 

واجه كين و زميله مشكلة في الاستقرار في الشقدف مما اغضب الجمال الا انهم استرضوه ببعض المال 

قال كين انه لم يواجه صعوبات في البحار بقدر ما واجه صعوبة في تحمل الشدقف، توقفت القافلة في منتصف الطريق 

كانت القرية، حدة، فيها اكواخ للبدو و ماؤها مالح، لم يستطع كين النوم تلك الليلة بسبب تلبية الحجاج، و تحركت القافلة بعد الغروب 

وصل كين في اليوم التالي الى مكة، كانت الرحلة شاقة جدا و الطرق وعرة، كلما اقترب من وسط المدينة، كانت الطرق ضيقة و متسخة 

نزل كين في منزل على بعد اقدام من الحرم، كان يرى الحرم من نافذته، رغم التعب و الارهاق، تعجل كين في اداء العمرة  

حلق كين رأسه بعد العمرة و خفف شاربه و هذب لحيته و كان مسرورا بذلك و بعدها خلد الى نوم عميق حتى انه لم يستيقظ للفجر

اذهله التنوع العرقي و الطائفي في مكة ولم يجد له شبيه حتى في لندن، كانت غرفة كين مطله على الحرم و كان يؤدي الصلوات من غرفته 

كان كين حريصا على ان يظهر كثيرا في الخارج الا للضرورة لتجنب المواقف المحرجة 

قال كين: سمعت ان الحجاج يأتون للحج للتجارة، وهذا غير صحيح، هم مسلمون حقا جاؤا ليغسلوا ذنوبهم مؤمنين بالله

تحدث عن سلام صدور المسلمين وهم يصدقون كل ما يقال لهم حتى و ان كان كذبا 

وكان على كين ان يدق انه مسلم لانه لا مجال للتراجع لانه معروف في مكة انه مسلم، وبدأ كين يصدق هذه الكذبة 

عاش في مكة يفعل ما يفعله الحاج، يذهب للسوق لشراء حاجياته، و اصبح كين يتجول وحيدا داخل الحرم و مكة 

قال عن المسلمين: لا ينبغى للغالم الغربي ان يتخوف منهم، لم تبق للمسلمين وحدة بينهم تمكنهم من تنظيم شيء مرعب مثل الجهاد

كانت المتعة الوحيدة هى تدخين السجائر و تبادل القصص مه زملائه في غرفهم، ذات ليله سمع عن سيدة انجليزية في مكة اسمها زهرة

رتب معها لقائا و كان اول حديث متحفظا و التقاها مرة ثانية في الحرم ورافقها الى منزلها وفيها تبادلا الحديث بارتياح بلغتهما 

كان مسرورا ان رأى وجها انجليزيا كوجهه و عرف انها كانت في مكة ١٨٥٨ و امتنعت عن مصافحته عندما ودعته 

لفت نظره سعة صدر المكيين و ما تتمتع به المراة من حرية، كان النسوة يؤدون الصلاة مع الرجال دون حواجز عكس بعض المساجد

غادر الامير لى بيت المقدس و بقي كين مع بعض حاشية الامير، خلال تجواله في مكة، صادف اطفالا يلعبون في الشارع فوقف يتفرج 

صرخ احد الاطفال وهو يشير اليه، انظروا الى المسيحي، نهض المارة و اتجهوا تجاهه و كان وضع كين في خطر 

طالبه المارة ان يثبت انه مسلم، فما كان منه الا ان ضربهم، صرخ المارة عليه اقتلوا المسيحي و قاموا بقذفه بالحجارة 

احتمى كين بحارس تركي في المكان ولم ينقذه الا تاجر سبق ان تعرف عليه عندما كان يعقد صفقة مع الامير 

اعتذر له التاجر عن ما بدر من الصبيه وفرق الحارس التركي الجموع و رافقوه الى منزله 

عندما عاد الامير من رحلته لبيت المقدس، رافق كين الى المدرسة حيث يلعب الاطفال، وكل من تعرض لكين تلقى عقابا قاسيا من مدير المدرسة

قدم الرحالة وصفا دقيقا للحرم، مما جاء فيه نخلات من البرونز تعلق عليها الفوانيس و عددها ٢٨٦٠ فانوسا 

تحدث ايضا عن آثار قدمي ابراهيم عليه السلام على الحجر عندما كان يبني الكعبة، ولا يراها الا من يدفع مبلغا كبيرا 

وصف كين باب الكعبة الفضي وحلقات ثوب الكعبة و الحجر الاسود و الميزاب، يمنع الناس من النوم في الحرم ليلا 

انزعج الرحالة من طلبات البقشيش، اكثرية الشحاتين من الهنود ثم الاتراك ثم الفرس، ولكن لا يوجد شحاتين من الملايو 

قبيل صعود عرفة بيومين يغيير لباس الكعبة ويبلغ زحام مكة حدا لا يجد فيه المرء مكانا للوقوف في الشارع 

كانت نسبة الاتراك في ذلك الحج قليلة، ٦٪، بسبب الحرب مع روسيا، العرب ١٥٪، الهنود ٢٠٪، الافارقة ١٠٪، الفرس ١٠٪ .. الخ

لاحظ كين ان الاتراك غير محبوبين ليس بين العرب فحسب، بل بين المسلمين الاخرين بسبب تشبت الاتراك بلبسهم الغربي 

لاحظ كين ان المكيين اذكياء لانهم يتعلمون اللغات بمجرد سماعها ومعظمهم حرفيون مهرة 

تحدث كين عن الحيوانات في الحجاز فقال ان الحمير الجيدة التي تقطع بين جدة ومكة في يوم و نصف  تباع ب ٣٠ جنيها 

كانت السرقة في مكة قليلة و خلاعة النساء لا وجود لها و كذلك المسكرات، وعندما القي القبض على احد تجار المسكرات، كاد يفقد حياته

لم يسمع عن وباء كبير اجتاح مكة ربما نظرا لجفافها و نقاء جوها 

يوم عرفة صادف يوم جمعة، و تحرك اكثر من ٢٠٠ الف حاج من مكة، و تركوا مكة خالية من الرجال 

كان المكان فوضى و كانت الجمال تقف لساعتين في الطريق من شدة الزحام و كانت الشقادف تتحطكم عندما تحتك الجمال مع بعضها 

بعد ساعات، استطاع كين الخروج من مكة للطريق الواسع واستطاع ان يصل الى منى في الثالثة بعد الظهر و قضى فيها الليلة 

وصف كين موكب شريف مكة وهو يمر من امام نافذة غرفته في منى و الحرس يتدافعون لسد الطرقات و اجبار الواقفين على التراجع 

ثم جاء رتل من الجمال تحمل اغطية مذهبة، ومن بعدهم ١٢ حصانا بشرائط ذهبية و فضية، ثم جاء الشريف بعدهم على حصان جميل 

في مؤخرة الموكب اقارب الشريف وفي ذيل الموكب بقية الرسميين راكبين و راجلين 

شعر كين براحة لانه سيحمل لقب حاج، ومن المصادفة ان منزله في منى كانت تنزل فيه السيدة الانجليزية زهرة 

تحرك الموكب في اليوم الثاني الى عرفات و ترجل كين من جمله وقرر السير، كانت المسافة ١١ ميلا و شاهد في جنبات الطرق حيوانات نافقة

كما شاهد في جنبات الطرق قبورا جديدة لحجاج كبار السن قطعوا آلاف الاميال ليموتو قبل تحقيق لقب حاج 

نصب كين خيمته على بعد ميل من جبل الرحمة و توجه الى الجبل، كان المنظر جميلا، آلاف من الرؤوس السوداء و الملابس البيضاء 

كان الزحام شديدا عند الجبل و عندما انحدرت الشمس الى المغيب، بدأ زحام الهابطين من الجبل ووجد كين صعوبة في العودة لخيمته 

بدأت جمال قافلته في التحميل استعدادا للنفرة الى مزدلفة وفيها جمع الجمرات و منها الى منى ومنها مباشرة الى مكة على ظهر حمار

كانت شوارع مكة خالية وقام بالطواف ثم السعي على ظهر حمار وهو مسموح به للضعفاء، وفرح كين عندما تخلص من الاحرام 

عاد بعد ايام التشريق الى مكة، وذهب الى السوق لشراء بعض حاجياته وفيها التقى احد سكان الملايو ممن يتقنون الانجليزية 

حذره الرجل من ان يكون انجليزيا متخفيا مدعيا الاسلام ليكتب عن مغامرته عن رحلته لمكة و المدينة، ولكن كين نفى ذلك 

في ذلك اليوم، فتح باب الكعبة، وكانت مكة مزدحمة و استطاع كين ان يشق طريقه الى الكعبة و ان يدخل داخلها 

كان جوف الكعبة حارا و خانقا والقى نظرة داخلها، كل ما استطاع رؤيته في الظلام هو ستائر معلقة في الجدار الداخلي 

كانت هناك ثلاثة اعمدة تحمل سقف الكعبة بينها علقت فوانيس اضاءة، وكان هناك يوم مخصص للنساء لدخول الكعبة 

التقى كين مرة اخرى بزهرة الانجليزية في الحرم  وذهب الى منزلها وشكت له من اعتلال صحتها لاول مرة منذ ٢٠ عاما 

كانت زهرة تبكي و تنفس عن نفسها، وحتى تثق به افصح عن نفسه و عن حقيقته كمسيحي متخفي للحج و العمرة ليكتب عنها 

افصحت عن اسمها و قالت ان اسمها ماكنتوش و انها كانت مع والدها الطبيب في لنكاو، و اخذت من قبل الثوار ضد الانجليز

من اخذها اتى بها الى مكة حيث توفي بعد ثمان سنوات و تركها فقيرة معدمة، لكنها تبيع في السوق و تترجم الرسائل الانجليزية 

ودعها كين على امل ان يلتقي بها في موعد آخر 

كان كين يفكر في الذهاب الى جدة عندما هبت عاصفة مطرية اغرقت الشوارع و الدكاكين و دخلت المياه الى الحرم و اغرقت الكعبة 

رغم غرق الحرم، الا ان الطواف سباحة لم ينقطع 

انتشرت الكوليرا و الجدري بعد انحسار المطر ولاحظ كين ان الاصحاء لا يتجنبون المصابين بهذه الاوبئة 

بدأ موكب الامير الاستعداد للمغادرة الى المدينة المنورة، و كان هناك من يجمع المتطوعين للقتال بجانب تركيا ضد الروس 

تطوع كين وسجل اسمه ضمن المتطوعين لكن المحاولة فشلت بعد ان شكر السلطان العثماني المتطوعين معلنا انه لا يريدهم ان يموتو 

وصلت اليهم انباء ان الطريق الى المدينة غير آمن وفيه السرقات و قتل الحجاج، حاول كين ان يعتذر الا ان الامير اصر على مرافقته 

استجاب كين لطلبه الا انه اراد ان يعرف ماذا حصل لزهزة، وعرف انها عادت الى الهند و انها قررت البقاء هناك ولا تريد العودة لبريطانيا

بدأ كين يتضجر من تخفيه كمسلم و بدأ يحن للمسيحية. كانت قافلة كين المتجهة للمدينة تضم ٩٠٠ جمل و ٧٣٠ رجلا  

قال كين ان شائعة القتل و السرقة من البدو في الطريق لا صحة لها وان معظهم هذا الكلام تخيلات 

عند اقتراب القافلة لاحدى القرى ارسلوا من يشعرهم بقدومهم و توقفت القافلة للراحة و انزال الحمولة و الاكل 

ذهب افراد القافلة الى قرية البدو لشراء السمك المجفف و التمور و البطيخ و الحليب، وقبل ساعتين من غروب الشمس، آن وقت الرحيل

عندما انطلقت القافلة كانت ستمر بمنطقة اشتهرت بانتشار اللصوص، واستمع اهل القافلة لقصصهم المرعبة 

انتشر نبأ ان آخر جملين في القافلة فقدا و اختفى بهم اللصوص في الظلام، حتى ان احد الجملين كان يحمل امرأتين و طفل 

كان منظر القافلة ليلا مضاءة بالنيران التي اشعلت بين الخيام، تعرض كين لمحاولة سرقة عندما لمح فوقه سكينا في يد رجل 

شعر كين بالرعب لكنه استجمع قواه ولكمه فسقط على ظهره وهرب 

كانت القافلة تسير في مرتفعات جبلية، تعثر احد الجمال و سقط و تمزق الشقدف، تعرض الجمل لكسور ولحظ الراكبين لم يصابا باذى

اجتازت القافلة احدى الممرات وقيل لهم ان قطاع الطرق ذبحوا ٣٠٠٠ حاج من المغاربة 

سجل كين لحظت الرعب عندما نفذ الماء من القافلة قبل ان تصل لاقرب قرية. كان الحجاج يتساقطون الواحد تلو الاخر من العطش 

من سقط منهم يترك ليموت، ما زالت القافلة على بعد ١٣ ساعة قبل الوصول لاقرب بئر 

كانت المفاجأة عندما ظهرت لهم رؤوس النخيل قرب رابغ، دب النشاط في جسد الجمال عندما شمت رائحة الماء في احدى اودية رابغ 

تدافع الحجاج يرطبون اقدامهم المتورمة و يغتسلون، نصبت الخيام قرب الوادي و تناولوا اللحم و الخضار 

احصت قافلة كين خسائرها فوجدت انها خسرت ٥٢ حاجا و ٩ جمال، رئيس القافلة اعتبر هذا نصرا لانه وصل باقل الخسائر 

تعرض كين لجرح فيما كان ينظف الاواني حتى ظن انه ميت و كتب وصيته للقنصل البريطاني وراح في اغماءه 

اختلف اهل القافلة بين من يريد دفنه وبين من عارض ذلك. احضروا طبيبا من قرية قريبة ليفحصه، فاوصى بعلاجه 

لم يفق كين من الاغماءة الا بعد ان تذوق طعم الحلوى، وضعوا قطعة من البطيخ في فمه فلتهمها بسرعة 

عندما عاد كين لوعيه وجد نفسه مغطى بالدم اليابس وقد نحل جسمه. بعد يومين تحسنت صحته و تحسنت شهيته 

 كان منظر المدينة ساحرا مثل منظر اسطنبول من بحر مرمرة بسورها الابيض الجميل و مناراتها البارزة الذهبية 

انفجر الحجاج باكين و شاكرين الله لوصولهم سالمين. نزل كين في المدينة ووجد شوارعها نظيفة و مستقيمة 

شاهد كين مظاهر الثراء على سكانها البالغ عددهم ٢٠ الفا، ورغم الالم صمم كين على زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم 

مكث كين في المدينة ١٠ ايام وبعدها غادرت القافلة المدينة ووصلت الى وادي فاطمة بعد ١٣ يوما 

توجه كين بعدها الى جدة و غير ملابسة و تناول الطعام في مطعم فرنسي و تعرف على فرنسيين و حكى لهم قصته 

زار القنصلية البريطانية و بدأ يحس بكراهية لقب حاج و بالحياة التي مر بها 

قطع تذكرة على احدى السفن الكبيرة المتجهة الى بومباي وكانت راسية بعيدة عن الميناء بسبب الشعب المرجانية 

شحنت معه ثلاث احصنة و عند محاولة نقلها للسفينة سقطت و غرقت و صاحبها ينظر اليها بحسرة 

استغرقت رحلة العودة ٢١ يوما و هبط كين الى الهند لابسا لبس البحارة الانجليز 

لم يشك احد تلك الليلة ان ذلك الرجل الذي اكل كثيرا من لحم الخنزير في عشائه كان مسلما متحمسا مخلصا لاسلامه … انتهى ..