Friday, September 4, 2015

رحلات محرمة - الكونتيسة مالميجناتي

الكونتيسة مالميجناتي

عاشت الرحالة الكونتيسة مالميجناتي  في دمشق تتهيأ لرحلتها داخل الجزيرة العربية، استأجرت بيتا بعيدا عن القسم الاوروبي

كان هدفها دراسة الجزيرة العربية و عادات العرب حاضرة و بادية، اتفقت مع مالكة الدار المستأجرة ان تعد لها الطعام

قالت مالميجناتي: "كان يزعجني القبقاب الذي يصدر صوتا مزعجا وهي تتنقل داخل المنزل طوال اليوم و اقتصر طعامي على الارز و البيض

من وسط دمشق كانت ترصد ما تراه بين الحضو ر البدو. من الغريب ان سكان دمشق كانت تربطهم بعض روابط القربى

كانت ترصد عادات الناس في ملابسهم وفي لباسهم الفاخر وهم يحضرون المناسبات، وفي احيائها و تعاملاتهم في اسواقها الثلاث

كل ما كانت تراه في دمشق جميل و يشجعها للسير بلا كلل او ملل مرتدية الملابس العربية

لا احد يتعرض لها في شوارع دمشق باي نوع من المضايقة، كانت ترصد النساء متغطيات لاخمض اقدامهن يتنقلن على الحمير

رصدت مالميجناتي انتضار السمنة بين النساء، فهم يرون في السمنة اساسا من اساسيات الجمال

تنقلت مالميجناتي بين ضواحي دمشق وخاصة الى دوما والتي تخللها افرع نهر بردى الخميس وكان المكان مفضلا لخرجات السوريين

ذكر لها ان القرويين خارج دمشق اخطر من البدو و ان بعض الاوروبيين تعرضوا للاحتجاز و سوء المعاملة في طريقهم الى تدمر

تعرضت مالميجناتي لمثل هذا عندما كانت في طريقها الى تدمر ولم ينقذها منهم الا طلقات مسدسها، تفرقوا عنها وعادت الى دمشق بسرعة

استعدادا لرحلتها الى الجزيرة العربية، عرض عليها بائع الجمال محمد البسام مرافقتها في الرحلة، و اتفقت معه على زيارة تدمر اولا

قالت مالميجناتي: "سرني ان وجدته مسنا و محترما من البدو وكنت ارغب ان اغريه لمرافقتي في رحلتي الى الربع الخالي"

قالت ايضا: "كنت اتسائل مالذي يغريني في الصحراء و كنت اجيب ان هناك مدنا مدفونة تحتها وهناك اطلال و نقوش اثرية قديمة"

اتفقت مع الباسم ان يشتري لها ثمانية جمال لنقلها الى تدمر، اشترتها ب ١٢ جنيها للجمل الواحد، 

اقترح عليها البسان ركوب الفرس لان اهل البادية يقدرون من يأتيهم على فرس

توجهت مالميجناتي الى سوق دمشق لشراء لوازم الرحلة من خيام و تموين و اداوات طبخ و قهوة و بنادق

خشيت مالميجناتي ان لا يسمح لها والي دمشق برحلتها الصحراوية اذا علم بها، لذا قررت اخفاء نواياها

كان الانطلاق عام ١٩٢٥ الى ادرا على حافة الصحراء السورية، غادرت وحدها كما لو كانت تريد القيام بنزهة، وكانت قد ارسلت متاعهاقبلها

عرض عليها الدكتور خليل - وهو طبيب متعلم من الجامعة الامريكية - مرافقتها، ورتبت احتياجاتها المالية ومع ما اخذت من نقد

دخل شهر رمضان ورأت تدفق الحجاج في طريقهم للالتحاق بالركب الشامي بعد عيد الفطر،

وصلت مالميجناتي الى ادرا و كانت في ضيافة صديق البسام و تعرفت اكثر على حياة نسوة البدو ممن التقت بهم و شاركتهم احتفالاتهم

على مقربة من خيمتها كانت ترى حركة دائبة في مخيم لبدو قبيلة الرولة و ارسلت لشيخ مضارب الرولة تستأذنه في زيارة مخيمه

توجهت مالميجناتي مع مرافيقيها و استقبلها الامير سلطان الطيار امير قبيلة الرولة في خيمته 

دار حديث حول الخيول و بعض الغزوات و طرحت على مالميجناتي اسألة عن اوروبا و دعاها الامير للعشاء و ذبحت الذبائح

شويت الذبائح امام الخيمة و قدمت مع القرصان، بعدها نظم الامير رقصة و اضيئت الشموع حول الخيام

قرع طبالان بطبليهما و خطت نسوة يحملن السوف و يرقصن ببطء و يحركن سيوفهن يتبعهن الطبالين و هن يقفزن و يرقصن

قالت مالميجناتي ان لو قدمن عرضا كهذا في اوروبا لكسبان منه كثيرا من المال،

بعد ثلاث ساعات من الرقص انصرفن و جاء مكانهن جديدات يواصلن الرقص، وبعد انتهاء الرقص دعا الراقصات لمشاركتنا العشاء

قضت مالميجناتي اربعة ايام بجوار مخيم الرولة و كانت محل حفاوة و احترام و تكريم و كان الجميع ينادونها بالاميرة

ختمت ايامها بجوار مخيم الرولة بحفل تكريم اقامته للامير و قدمت خلاله هداياها، انتقل بعدها الرولة متجهين الى صحراء الحماد

عرض عليها الامير سلطان البقاء معهم و اعطى اوامر بتلبية جميع احتياجاتها، احست معهم مالميجناتي بانها وسط اهلها

رأت في حياة البداوة البساطة، ما انظفهم من اناس فخورون و اقوياءو قلوبهم برقة قلوب الاطفال ولا يعرفون الغلو في الدين

شدت الرحال مع قافلة الرولة الى ان وصلت الى الحدود الشمالية لصحراء الحماد الكبرى، ووصفت كيف تضرب الخيام و عمل النسوة

النساء يحلبن و يستخرجن الزبدة و يعملن الطعام و يقتصر عمل الرجال على عجن الدقيق و يقضون باقي الوقت في التدخين و الاحاديث

دخلت القافلة الصحراء عند آبار امبحارة من منازل الرولة وكانت المراعي ما تزال خصبة ولكنهم كلما توجهوا جنوبا يزيد الجفاف

كانت الخصومات تعرض على امير الرولة و يفصل بينهم، كانت تصله اخبار الحروب بين البدو او بين البدو و الاتراك

بعد يومين من الراحة واصلت القافلة رحلتها في الصحراء حيث الفضاء اللانهائي ولا شيء حي في الصحراء التي تبدوا بلا نهاية

كانت القافلة تقطع ٦٠ ميلا يوميا، كانت الصحراء رتيبة مملة الا انها كانت كالبحر دائمة التبدل

شهدت مالميجناتي غزوة قبيلة الرولة لاحد خصومها، و تلا نهاية المعركة حفل عشاء فخم قدم فيه اطباق الدجاج و اللحوم المشوية

 عطرهم الامير من مرش حمله اليه احد خدمه ثم تلا ذلك القهوة فالنرجيلة التي تناوبوا في تدخينها، ثم بعد ذلك رقص الرجال و النساء

علم الامير بقدوم شاعر لا يعرف من اين اتى فاستقبله بفرح عظيم حيث نظم الشاعر تفاصيل الغزوة و امتدح شجاعة الامير في المعركة

طويت بعد ذلك الخيام واستأنفت القافلة سيرها في الصحراء و كان الحر شديدا، وطوال خمسة ايام لم تعثر القافلة على بئر ماء

مضت سبعة ايام على الجمال بدون شرب، تدريجيا بدأت تظهر الحشائش على الارض وبدأت معالم طرق القوافل تظهر

التقى الامير بعائلة من الصلبة قصوا على الامير بعض اخبار الاقتتال في الداخل ثم توقفت القافلة بجوار مخيم لقبيلة الشرارات

ذهبت مالميجناتي مع الامير لزيارة شيخ قبيلة الشرارات، فاجأهم وجودها ولم يميزوا ان كانت رجلا ام امراة

واصلت القافلة الى وادي المستاري و سمعوا هناك عن اخبار اقتتال في حائل. كانت وجهة الامير سلطان الى مدينة الزلفي في نجد

مضت على بدء رحلة مالميجناتي شهرين قطعت خلالها ٩٠٠ ميل وبقي امامها نفس المسافة للوصول الى الربع الخالي

في الطريق شهدت حفل زفاف اقيم في الصحراء ووصفته بالمثير برقصاته و استعراضات خيله و اطلاق النار فيه وموائده

واصلت القافلة في الصباح سيرها في اتجاه الجنوب الشرقي غبر صحراء الظلمة او الدلمة و منها وصلوا الى الزلفي

كانت مباني الزلفي من الطين الجاف، نصبت القافلة مخيمها خارج المدينة و خرج اليهم وجهاء الزلفي و تجارها لتبادل السلع

كان المكان غير جذاب، القرية متسخة و اشجار النخيل فيها يعلوها الغبار ونظرات السكان لهم غير ودية تختلف عن نظرات البدو الذين عرفتهم

لما عرف اهل الزلفي بوجود مالميجناتي تكهرب الجو و توتر وجاء والي المدينة ومعه جموع من المواطنين للامير سلطان ودار نقاش حاد

علت الاصوات بينهم و ميزت مالميجناتي تكرار كلمة (رومي) وعرفت انهم يعترضون عليها قطع خطوة في اتجاه الجنوب

هدد اهالي الزلفي ان لم يمنع الامير سلطان مالميجناتي فسينضمون الى خصومه في حربهم ضده بهدف قتلها

تقرر بعد مداولات ان تغادر مالميجناتي مع قافلة صغيرة الى الدهناء و تلتقي مع الامير سلطان بعد سبعة ايام في الصفاة

تظاهرت مالميجناتي للزلفيين انها مريضة ولا تستطيع السفر. زودها الامير سلطان ببعيره وراحلته ورافقها البسام و خليل وبعض الحرس

رافقها حرس الامير لمسافة يومين لتطمينها وتاكيد خروجها من منطقة الخطر. و غادرت مالميجناتي عند منتصف الليل

توقفت القافلة فجرا لتناول القهوة و الطعام و افزعها رؤية الزلفي في الافق، وشعرت انها لا تزال في خطر

في ليلة سفرها وعند الفجر، افتقد البسام الخادم المرافق لها، وصح تخمينه فقد عاد ليلا الى الزلفي ليخبرهم بمغادرة الرحالة

لحق بها رجال من الزلفي ليعيدوها الى المدينة، تبين لها لاحقا سر غضبهم وتبين ان ما اثار السكان بعض ما نقله البدو في قافلتها

حيث زعموا انها كانت تعد لاجتياز الصحراء وجمع الذهب منها وتجييش جيش لغزوهم

 اعيدت مالميجناتي للزلفي ثم جهزوا لها قافلة رافقتها لضمان عودتها عن الزلفي آمنة

مرت مالميجناتي على بريدة حيث رميت بالحجارة عندما عرفوا انها مسيحية، و حرص الحرس معها على ان لا يصيبها مكروه

اخذوها لمنزل والي بريدة حيث سمح لها مواصلة السفر صباحا، وفي الصباح ودعها السكان كما استقبلوها بالحجارة

رافقها شيخ الزلفي الى الرس حيث هدد ان كل من يشيع انها مسيحية باشد العقاب و سلمها الى شيخ الرس

وصفت مالميجناتي معاملة شيخ الرس لها بالوقحة، حيث اخدت الى غرفة مظلمة قضت فيها ليلتها تتصارع مع الفئران

جائها في الصباح من يبلغها ان الحاكم امر بقتلها حال وصولها الى دمشق

في الصباح ابلغت انها ستغادر الى الحناكية بدون رفيقيها البسام و خليل على ان يرافقها شيخ الرس و حراسة مشددة

وصفت معاملتها خلال الرحلة بالقاسية فكانوا لا يسقونها ولا يطعمونها الا من فضلة ما يأكلون ويشربون، وكانت تتجاهل وقاحتهم

دخل موكبها وادي جرير حيث وجدت في بئرها قافلتها الصغيرة ومرافقيها البسام و خليل

رغم منعهما من الاقتراب الا انها نجحت في الحديث اليهم و ناشدتهم ان لا يبتعدا عنها كثيرا، وبعد اللقاء، تغيرت المعاملة للاحسن

لحق بها البسام عند مخيم لقبيلة العمارات من عنزه وصادف وجود معارف للبسام بينهم فحضروا اليها و قدموا لها قهوة و دجاجا و دقيقا

واصلت سيرها مع حراسها وفي الطريق اعمتهم رياح الخماسين التي امتزجت رمالها باسراب الجراد

كان من الصعوبة المضي قدما و الانسان يحمي وجهه و جسمه من الرمال و الرياح العاتية، وخفت المعاناة بعد اختفاء اسراب الجراد

توقفت في قرية المروية حيث استضافهما والي القرية فنامت لاول مرة على حصيرة ووسادة وتمنت ان لو طال مقامها في القرية

في الصباح واصلت رحلتها فصادفت قافلة للحجاج الفرس عائدين من مكة المكرمة وباتوا ليلتهم في العراء

وصلت القافلة الى الحناكية مغرب اليوم التالي وكان عدد سكانها آنذاك ٣٠٠٠ ولم يكن فيها نخيل

ما ان وصلوا حتى احاط بهم فتية من اهلها رافعين ايديهم يطلبون البخشيش، كان والي الحناكية خارجها في مهمة 

نصبت خيامهم خارج الحناكية ولم يسمح لهم بدخول قلعة المدينة الا باذنه، اصيبت مالميجناتي بخيبة امل

اخذت مالميجناتي لدار الحكومة و اخذت معلومات عنها و ارسلت الى غرفة قذرة لتقضي فيها ليلتها التي كانت الاسوأ في حياتها

قضت مالميجناتي الليل باكمله تتصارع مع الفئران و الخنافس و الصراصير و النمل، وفي الصباح كانت الغرفة مليئة بقتلى الحشرات

في الصباح غادرت مالميجناتي مع حراس جدد الحناكية و كانوا الطف في تعاملهم معها، حيث كانوا يدللونها و يقدمون لها الطعام اولا

وبعد مسيرة لبعض الوقت تغيرت الارض و ظهرت الازهار و غطت التلال، وتأخر السفر بعد المغرب لان رئيس الحرش اشرف في تدخين الحشيش

قضت ليلة اخرى في الواحة الهادئة تتناول عشائها دون مضايقة

في الليلة التالية و بينما كان احد الحرس يحضر الطعام قفز فجأة يبكي و يضحك في آن واحد ولكا سأالت مالميجناتي عن السبب ..

قيل لها ان العنكبوتة الذئبية قرصته وان علاجه بضرب الدفوف و الرقص حالا، استخدمت العصا للنقر على العلب و التصفيق

قام المريض بالقص بعنف حتى يعرق فيسيل السم مع العرق، فرقص حتى سقط ولكنه نجا من الموت، وتم قتل العنكبوتة بعد البحث عنها

وصلت مالميجناتي الى المدينة المنورة فدخلتها من باب الشام وكان عليها لبس لباس المسلمين قبل دخولها

ولشدة سرورها وجدت رفيقيها البسام و خليل حيث رتبا نزولها عند احد الوجهاء وودعت حراسها الذين لم يعترضوا انضمامها لرفيقيها

تجولت مالميجناتي في شوارع المدينة و كان خليل يقدمها على انها ابنة عمه

انتهت معاناة السفر لتبدأ معها معاناة الحمى حيث طرحتها في الفراش سبعة ايام، كان جسمها يؤلمها كما لو انها حصبت بحصاة

رغم مرضها كانت تخرج لتراقب جموع الحجاج من الصين و فارس و اليابان و الهند ومصر وبقية الاراضي العربية

زارت مالميجناتي مسجد رسول الله صلى الله عليه و سلم وقدمت وصفا دقيقا لما رأته في المسجد

مدخل الحرم النبوي من باب السلام و يحيط بالقبر الشريف سياج النحاس الجميل ووسط ساحتها بئر يقال له بئر النبي

كانت هناك ايضا نخلة يقال ان فاطمة الزهراء غرستها، وكانت شوارع المدينة حيوية بحركة الزوار العائدين من الحج

في انطباعاتها عن العرب قالت: كم هي بسيطة حياتهم، نظيفة معيشتهم آمالهم رفيعة وقوية مثل وجوههم قلوبهم طيبة كقلوب الاطفال

بعد الراحة، ابلغت خليل رغبتها في العودة الى دمشق ولحسن الحظ كان القطار سيتحرك خلال يومين ولم يكن هناك مسافرون كثيرون

استمتعت بقمرة كاملة لوحدها الا ان الحمى داهمتها ثانية وكانت حركة القطار تعذبها كثيرا

وصلت مالميجناتي اخيرا الى دمشق و كتبت: اكانت الاشهر الثلاث الاخيرة حلما، لو كنت فشلت او انهزمت لما حصلت على ثمرة المغامرة

سيبقى الربع الخالي هو هدفي القادم ……… انتهى

No comments:

Post a Comment